ابن الجوزي

83

صفة الصفوة

المولود . ثم نشأت فكنت جبّارا عنيدا تزعم أني من الظالمين ، لم حرمتك وأهل بيتك فيء اللّه عزّ وجل الذي فيه حقّ القرابة والمساكين والأرامل ، وإن أظلم مني وأترك لعهد اللّه من استعملك صبيّا سفيها على جند المسلمين تحكم فيهم برأيك ولم تكن له في ذلك نيّة إلا حبّ الوالد لولده ، فويل لك وويل لأبيك ما أكثر خصماء كما يوم القيامة ، وكيف ينجو أبوك من خصمائه ؟ وإن أظلم مني وأترك لعهد اللّه من استعمل الحجاج بن يوسف يسفك الدّم الحرام ويأخذ مال الحرام ، وإن أظلم مني وأترك لعهد اللّه من استعمل قرّة بن شريك « 1 » أعرابيا جافيا على مصر أذن له في المعارف واللهو والشرب ، وإنّ أظلم مني وأترك لعهد اللّه من جعل لعالية البربرية سهما في خمس العرب . فرويدا يا بن بنانة فلو التقى حلقتا البطان وردّ الفيء إلى أهله لتفرغت لك ولأهل بيتك فوضعتهم على المحجّة البيضاء ، فطالما تركتم الحق وأخذتم في بنيّات الطريق ، ومن وراء هذا ما أرجو أن أكون رأيته بيع رقبتك وقسم ثمنك بين اليتامى والمساكين والأرامل ، فإنّ لكلّ فيك حقا والسلام علينا ولا ينال سلام اللّه الظالمين . عن عمر بن ذر « 2 » : قال مولى لعمر بن عبد العزيز حين رجع من جنازة سليمان : ما لي أراك مغتما ؟ قال : لمثل ما أنا فيه يغتم إنه ليس من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أحد في شرق الأرض وغربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقّه غير كاتب إليّ فيه ولا طالبه مني . وعن بعض خاصة عمر بن عبد العزيز أنه حين أفضت إليه الخلافة سمعوا في منزله بكاء عاليا . فسئل عن البكاء فقيل : إن عمر بن عبد العزيز خير جوارية فقال : إنه قد نزل لي أمر قد شغلني عنكن فمن أحب أن أعتقه أعتقته ومن أراد أن أمسكه أمسكته ولم يكن مني إليها شيء فبكين يأسا منه .

--> ( 1 ) هو قرة بن شريك القيسي أمير مصر وكان عسوفا ظالما ، قيل : كان إذا انصرف الصناع من بناء جامع مصر دخله فدعا بالخمر والملاهي ويقول : لنا الليل ولهم النهار ، قال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه : الوليد بالشام وقرة بمصر والحجاج بالعراق وعثمان بن حيان بالحجاز ، امتلأت الأرض واللّه جورا ، ترك شريك حكم مصر سنة ست وتسعين . ( انظر شذرات الذهب ص 111 ج 1 ) . ( 2 ) هو عمر بن ذر الهمذاني الكوفي الواعظ البليغ ، روى عن أبيه ، ثقة لكنه رأس في الإرجاء . توفي سنة ست وخمسين ومائة . ( انظر شذرات الذهب ص 240 ج 1 ) .